محمد بولكسوت
الظهير الايمن الذي تحدى الجغرافيا
في خريطة كرة القدم المغربية، تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تجمع بين الموهبة الفطرية، والالتزام التكتيكي، والقدرة على التطور المستمر، ومن بين هذه الأسماء يسطع نجم محمد بولكسوت، الظهير الأيمن لنادي الرجاء الرياضي، اللاعب الذي فرض نفسه كأحد أفضل شاغلي هذا المركز بفضل مواصفات عالمية تمزج بين الصلابة الدفاعية والنجاعة الهجومية، وتجعله نموذجًا حديثًا للظهير العصري في كرة القدم الحديثة.
محمد بولكسوت… ابن أوريكة
من قلب دوار سگر بجماعة أوريكة، حيث البساطة والجذور والأصالة، خرج حلم صغير كبر مع الأيام ليصل إلى أكبر المنصات الكروية. محمد بولكسوت، ابن منطقة أوريكة، لم ينس يومًا أصله، فحتى وهو يولد في 23 شتنبر 1998 بحي المحاميد بمدينة مراكش، ظل ارتباطه الروحي والعائلي متجذرًا في عائلة “أيت بلكسوت” العريقة. هذا الانتماء شكّل جزءًا من شخصيته، وزوّده بقيم الصبر والعمل والاجتهاد، وهي قيم انعكست بوضوح في مسيرته الكروية.
مدرسة الكوكب… الأساس المتين
مثل كثير من نجوم مراكش، كانت مدرسة الكوكب المراكشي هي نقطة الانطلاق الحقيقية لبولكسوت. داخل هذه القلعة الكروية العريقة، تدرج في مختلف الفئات السنية، وتعلّم أبجديات الكرة المغربية القائمة على التقنية، واللعب الجماعي، والانضباط التكتيكي. وقد أبان منذ بداياته عن ميل واضح لمركز الظهير الأيمن، مع قدرة لافتة على التقدم وصناعة اللعب، وهو ما جعله محط أنظار المؤطرين مبكرًا.
من برشيد إلى المحمدية… خطوات ثابتة نحو النضج
بدأ بولكسوت مسيرته الاحترافية مع يوسفية برشيد، حيث خاض أولى تجاربه في أجواء المنافسة القوية، قبل أن يعود سنة 2017 إلى فريقه الأم الكوكب المراكشي. وفي موسم 2018-2019، شكّل واحدًا من ركائز الفريق، إذ خاض 26 مباراة وسجّل هدفين، وفرض نفسه كظهير يعتمد عليه رغم صعوبة المرحلة التي انتهت بهبوط الفريق إلى القسم الثاني.
لكن الهبوط لم يكن نهاية الطريق، بل كان بوابة جديدة. ففي غشت 2019، انتقل محمد بولكسوت إلى شباب المحمدية، وهناك ساهم بقوة في عودة “مدينة الزهور” إلى قسم الأضواء، مقدّمًا أداءً متوازنًا بين الدفاع والهجوم، ومؤكدًا أن تجربته تتطور موسمًا بعد آخر.
الرجاء الرياضي… اختبار القمم
التحاقه بنادي الرجاء الرياضي البيضاوي شكّل محطة مفصلية في مسيرته. فاللعب لفريق بحجم الرجاء لا يعني فقط امتلاك الموهبة، بل القدرة على تحمل الضغط الجماهيري، والمنافسة على الألقاب، والتألق قارّيًا. داخل القلعة الخضراء بلغ بولكسوت مرحلة النضج الكروي، وأصبح واحدًا من أفضل الأظهرة في البطولة الوطنية، بفضل انضباطه التكتيكي، واندفاعه المحسوب، وقدرته على الربط بين الخطوط.
ظهير عصري بمواصفات عالمية
ما يميز محمد بولكسوت هو كونه ظهيرًا عصريًا متكاملًا. دفاعيًا، يتمتع بحسن التمركز، والقدرة على قراءة اللعب، والالتحامات الذكية دون تهور. أما هجوميًا، فيملك سرعة، ودقة في العرضيات، وقدرة على مساندة الجناح وصناعة التفوق العددي على الرواق الأيمن. هذا التوازن جعله عنصرًا فعالًا في خطط المدربين، سواء في اللعب المفتوح أو في المباريات الكبيرة.
التألق مع المنتخب في كأس العرب
في كأس العرب بدولة قطر، واصل بولكسوت تأكيد مكانته، حيث قدّم مستويات لافتة بقميص المنتخب الوطني المغربي، وظهر كلاعب مهاري قادر على صنع الفارق في أصعب اللحظات. أداءه نال إشادة المحللين والجماهير، وكرّسه كأحد أفضل الأظهرة في الساحة العربية خلال هذه البطولة، وكسفير مشرف لأبناء مراكش والحوز وأوريكة على وجه الخصوص.
قصة محمد بولكسوت ليست مجرد مسيرة لاعب كرة قدم، بل رسالة أمل لكل شاب في المداشر و القرى المغربية عمومًا. هي قصة تؤكد أن الموهبة حين تقترن بالعمل والانضباط، يمكنها أن تعبر من الملاعب الترابية إلى أكبر المسارح الكروية.
محمد بولكسوت اليوم ليس فقط ظهيرًا أيمنًا للرجاء، ولا مجرد لاعب دولي، بل رمز لجيل يؤمن بأن الأصل المتواضع لا يمنع الوصول إلى القمة، وأن الانتماء للجذور هو وقود النجاح، لا عائقًا أمامه.


