إبراهيم دياز.
من جذور مالقة إلى قميص المغرب…
حكاية موهبة اختارت هويتها وكتبت مجدها.
إبراهيم دياز ليس مجرد اسمٍ لامع في كرة القدم الحديثة، بل حكاية إنسانية غنية بالجذور والاختيارات والتطور الهادئ الذي قاد لاعبًا موهوبًا من شوارع مالقة إلى أضواء سانتياغو برنابيو، ومن قمصان الفئات السنية الإسبانية إلى حمل قميص المنتخب المغربي بكل فخر.
وُلد إبراهيم عبد القادر دياز في 3 أغسطس 1999 بمدينة مالقة الإسبانية، لأبٍ مغربي يُدعى عبد القادر موحند، وأم إسبانية تُدعى باتريشيا دياز.
هذا الامتزاج الثقافي لم يكن مجرد تفصيل في شهادة الميلاد، بل شكّل جزءًا من هوية اللاعب وشخصيته. فهو يحمل الجنسيتين الإسبانية والمغربية، ونشأ في بيتٍ متعدد الثقافات، تعلّم فيه معنى الانتماء المزدوج دون تناقض. إبراهيم دياز هو الابن الأكبر بين خمسة أطفال، وله أربع أخوات زايرا وإديرا ودنيا وإيرينا، وغالبًا ما يظهر في تصريحاته كأخٍ كبير يشعر بالمسؤولية والفخر بعائلته.
منذ سنواته الأولى، بدا واضحًا أن الكرة ستكون لغته المفضلة. مهاراته التقنية العالية، وسرعته في اتخاذ القرار، وقدرته على اللعب بين الخطوط، جعلته محط أنظار الكشافين مبكرًا. وفي عام 2016، بدأ مساره الدولي مع منتخب إسبانيا تحت 17 سنة، قبل أن يواصل تطوره مع منتخب تحت 19 سنة (2016–2018)، ثم منتخب تحت 21 سنة (2017–2021). وفي عام 2021، وصل إلى تمثيل المنتخب الإسباني، ليحقق حلمًا راود كثيرًا من اللاعبين الشبان.
على مستوى الأندية، كانت محطة مانشستر سيتي (2016–2019) أول احتكاك حقيقي له بكرة القدم في أعلى مستوياتها. هناك تعلّم معنى المنافسة القاسية، والانضباط التكتيكي. حتى وإن كانت مشاركاته محدودة (5 مباريات). لكن الخطوة الأهم جاءت في عام 2019، حين انتقل إلى ريال مدريد، النادي الذي يعرف كيف يصنع النجوم ويختبر صبرهم في الوقت ذاته.
ولأن التطور يحتاج أحيانًا إلى مساحة أكبر، جاءت إعارة الى إسي ميلان (2020–2023) كمنعطف حاسم في مسيرته. ففي إيطاليا، وجد إبراهيم الاستمرارية والثقة، فشارك في 91 مباراة وسجل 13 هدفًا، وترك بصمته كلاعب حاسم في المباريات الكبيرة، ليعود بعدها إلى ريال مدريد أكثر نضجًا وقوة. ومع النادي الملكي، خاض حتى الآن 89 مباراة وسجل 13 هدفًا، مؤكدًا حضوره كلاعب خط وسط هجومي قادر على صناعة الفارق.
لكن القرار الأكثر عمقًا في مسيرته كان اختياره الدولي. ففي عام 2024، أعلن إبراهيم دياز تمثيل المنتخب المغربي، قرارٌ لم يكن فنيًا فقط، بل عاطفيًا وهوياتيًا. اختار أن يعود إلى جذوره، وأن يحمل قميص بلد والده، ليكتب فصلًا جديدًا في مسيرته الدولية. وسرعان ما تحوّل هذا الاختيار إلى قصة نجاح، إذ أصبح أول لاعب يسجل مع المنتخب الوطني في كأس أمم إفريقيا في أربع مباريات متتالية، إنجاز يعكس شخصيته التنافسية وقدرته على الظهور في اللحظات الحاسمة.
إبراهيم دياز اليوم هو صورة للاعب العصري موهوب ومتواضع ومتعدد الثقافات، وواعٍ بقيمة القرارات التي يتخذها داخل الملعب وخارجه. هو لاعب لم تحمله الموهبة وحدها، بل دعم العائلة، وصبر السنوات، والرغبة الدائمة في التطور. وبين مدريد والرباط، وبين إسبانيا والمغرب، يواصل إبراهيم كتابة قصة كروية ذات طابع إنساني، عنوانها الأبرز.
أن الهوية يمكن أن تكون جسرًا للنجاح، لا حاجزًا أمامه.


