الناخب الوطني وليد الركراكي.
مدرب الشخصية القوية وصانع التحول التاريخي في المنتخب المغربي
يُسجّل وليد الركراكي اسمه اليوم بأحرف من ذهب في تاريخ كرة القدم المغربية، ليس فقط بما حققه من نتائج وأرقام، بل بالطريقة التي أعاد بها تشكيل هوية المنتخب الوطني ذهنيًا وتكتيكيًا. منذ توليه قيادة “أسود الأطلس”، لم يعد الحديث يدور حول الفوضى داخل مستودع الملابس أو الصراعات الخفية، بل عن الانضباط، الروح الوطنية، والعمل الجماعي. وليد الركراكي لم يكن مجرد مدرب، بل قائد مشروع أعاد للمنتخب المغربي هيبته وشخصيته في أكبر المحافل.
التحكم في المجموعة..إنجاز غير مسبوق.
يجب أن نعترف بذلك: وليد الركراكي هو المدرب الوحيد في تاريخ المنتخب المغربي الذي نجح في التحكم في مستودع الملابس بهذه الطريقة الرائعة. فمنذ أول مشاركة له على رأس الإدارة التقنية، اختفت تمامًا المشاكل التي لطالما رافقت المنتخب في فترات سابقة.
رغم وفرة النجوم وتعدد الجنسيات والخلفيات (فرنسا، هولندا، إسبانيا…) لم نسمع عن تمرد، ولا صراعات داخلية، ولا “معسكرات” متناحرة. الجميع سواسية، والجميع خاضع لقانون واحد: مصلحة المنتخب فوق كل اعتبار.
زرع الركراكي روح الفريق والوطنية، وحوّل اللاعبين المغاربة إلى محاربين حقيقيين فوق أرضية الملعب. لم يعد الجلوس على دكة البدلاء إهانة لأي لاعب مهما كانت نجوميته، بل أصبح قرارًا عاديًا يخدم الخطة العامة. وهذا أمر نادر الحدوث في تاريخ المنتخب المغربي، ويحسب للركراكي كإنجاز إداري ونفسي قبل أن يكون تقنيًا.
إنجاز تاريخي كلاعب ومدرب.
في مسيرته الكروية، جمع وليد الركراكي بين شرف التجربة داخل الملعب وحنكة القيادة خارجه. واليوم، يحقق إنجازًا فريدًا حين أصبح أول مغربي في التاريخ يبلغ نهائي كأس أمم إفريقيا كلاعب وكمدرب.
هذا المعطى وحده كافٍ لوضعه ضمن رموز الكرة الوطنية، لأنه يجسد مسارًا متكاملًا: لاعب عاش ضغط القميص الوطني، ومدرب يعرف تمامًا معنى تمثيل المغرب في أصعب اللحظات.
مدرب المباريات الكبرى.
لكي تواجه منتخبات بقيمة الكاميرون ونيجيريا، بكل ما تحمله من تاريخ، قوة بدنية، وأسماء وازنة، ثم تخرج من هاتين المواجهتين بتسديدة واحدة فقط على مرماك، فذلك ليس أمرًا عاديًا ولا يمكن أن يكون صدفة.
نحن هنا أمام منتخب استثنائي يقوده مدرب استثنائي.
ما حققه المنتخب المغربي تحت قيادة الركراكي هو نتيجة عمل تكتيكي عميق، وانضباط جماعي نادر، ورؤية واضحة تقوم على الواقعية والصلابة الدفاعية. الركراكي لا يربح المباريات بالشعارات أو الأسماء، بل بالتنظيم، القراءة الجيدة، وإغلاق المساحات، وتحويل نقاط قوة الخصم إلى عناصر معطَّلة.
الارقام..حين تتكلم.
في عالم كرة القدم، قد تختلف الآراء، لكن الأرقام تبقى الشاهد الأصدق.
خلال ست مباريات كاملة في هذه البطولة، لم يتعرض الحارس ياسين بونو سوى لثلاث تسديدات مؤطرة فقط. رقم يكاد لا يُصدق في كرة القدم الحديثة، ويعكس منظومة دفاعية “خرافية”.
الأكثر دلالة أن الهدف الوحيد الذي استقبله المنتخب جاء من ضربة جزاء أمام مالي، وليس من لعب مفتوح. أي أن الخصوم فشلوا تمامًا في اختراق الدفاع المغربي عبر اللعب الجماعي.
هذا العمل لم يكن وليد الحظ، بل نتيجة قراءة دقيقة للمباريات، انضباط صارم، وروح جماعية زرعها وليد الركراكي في لاعبيه.
الوفاء للقناعات رغم الانتقادات.
رغم الانتقادات الحادة التي طالته في فترات سابقة، سواء بسبب أسلوب اللعب أو اختياراته البشرية، ظل وليد الركراكي وفيًّا لقناعاته. لم ينجرّ وراء الضغط الجماهيري، ولم يغيّر فلسفته لإرضاء الأصوات المرتفعة.
واليوم، نرى نتيجة ذلك: منتخب مغربي متماسك، صعب المراس، يعرف كيف يدافع ككتلة واحدة، وكيف يضرب في اللحظة المناسبة دون تهور.
قد يختلف البعض حول جمالية الأداء، لكن كرة القدم الحديثة لا تُقاس بالاستحواذ فقط، بل بالنجاعة وتحقيق النتائج في المباريات الكبرى. وفي هذا الجانب، أثبت الركراكي أنه “داهية” حقيقي في إدارة المعارك الكروية.
شخصية قوية وبناء ذهني صلب.
وليد الركراكي تحمّل الأمانة في واحدة من أصعب المراحل، ونجح في بناء منتخب لا يُقهر ذهنيًا قبل أن يكون قويًا بدنيًا أو فنيًا. منتخب يجيد الصبر، يحسن قراءة أطوار المباريات، ولا يمنح خصومه سوى الفتات.
وقبل الحديث عن تألق لاعبين مثل ياسين بونو، لا بد من التوقف عند العمل الكبير للمدرب. خطة واضحة، تعليمات دقيقة، وانضباط كامل من اللاعبين. هذا هو جوهر عمل الركراكي رفقة طاقمه التقني، وهو ما يستحق الشكر والتقدير.
الركراكي مدرب واقعي وصانع الاحترام.
وليد الركراكي غيّر نظرة العالم للمدرب المحلي، وأثبت أن الكفاءة لا تُقاس بالجنسية، بل بالفكر، الشخصية، والقدرة على القيادة في أصعب الظروف.
قد تتأخر الألقاب، لكن التاريخ لا يُكتب فقط بالكؤوس، بل بالشخصية، الجرأة، والظهور في اللحظات الحاسمة.
اليوم، دعم وليد الركراكي ليس خيارًا بل ضرورة. ما يُبنى بهدوء وعمل متواصل، قد يكون هو الطريق الأقصر نحو المجد.
فلنفتخر بوليد الركراكي، مدرب المباريات الكبيرة، ورجل التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير… لأن اللقب الإفريقي لن يأتي إلا عبر مدرب يعرف معنى الضغط الحقيقي، ووليد واحدٌ من هؤلاء القلّة.


